محمد كرد علي

329

خطط الشام

امتهان النفس في أخس الأعمال مقابل عرض ينالونه أو إقبال يتخيلونه ، فارتكبوا كل ما يورثهم عار الأبد ، فكان ظاهرهم مجملا ، وباطنهم خبثا وخديعة ، يفادون بكل ما ليس لهم فيه مصلحة ، ويداجون كل من يلقاهم بما يريد ، ولعلك على حق إذا قلت إن صيغ الكلام تضيق عن وصف أفعالهم . فهم ممن حبب إليهم من دنياهم أذى القريب لا ينامون ملء جفونهم إلا يوم يوقعون بأصحاب الشرف والمروءات . وما لنا والإكثار من ضرب الأمثلة بفئة هي معقد الآمال في الإصلاح وهي لم تكد تحقق رجاء إلى الآن ، وليست في أخلاقها مما يرغب المرء كثيرا في تكثير سوادها ، لأن منها من تجرد من معنى الحق والصدق . ولو حللت نفوس أكثرهم تحليلا دقيقا لرأيتهم أعرف الناس بالمدخل والمخرج وأعراهم من أكثر الفضائل الكسبية واللدنية . ضعف عطفهم على جنسهم وهان عليهم أن يبيعوا وجداناتهم لمن يضمن لهم مظاهرهم . فهم أبدا سلاح الغريب على القريب ، وهم يده الباطشة وأظافره الخادشة . ولطالما نضب حلم أرباب الحلوم من تلاعب أناس استناروا بقبس العلم الحديث ، يتهارشون على أبواب جمعية مدنية وهم في الحقيقة لا يهمهم من دعوتها إلا أن يحموا بسلطانها سلطانهم ، ويستروا في حمى كهفها معايبهم ، ومن الغريب أنه لا يكاد يرقى في درجاتها إلا من عرفوا بالاسترسال في حظوظهم ، وكانوا من الممقوتين في العرف والعادة ، هذا وقانون الجمعية شديد في التسامح مع أمثالهم ، ولكن كل قانون ينصبغ بصبغة محيطه ، وما دام المحيط على ما ترى فلا بدع إن كان بعد هذا أعظم قانون سماوي أو أرضي في حكم العدم . ولا يفوتنك أن الطبقة الوسطى في ديارنا هي التي تتمثل فيها الأمة حقيقة لا مجازا ويكثر فيها الخير ويقلّ الشر ، وهي التي تقوم بجلب المنافع ودرء المضار ، وتعيش في خوف الديان ، وتهتم لسعادة الأوطان ، هي في الغالب محدودة بعقول أبنائها ، كثيرة بما يتم على أيديها من الخيرات باجتماعها ، وهي التي تفكر وتقدر وقد قام كثير من الأعمال النافعة بصنيعها ومن وضعها . فيهم الصبر وفيهم الأناة وفيهم الرحمة ، خسيسهم أقل من رفيعهم ، هم قوة الظهر